بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله الكريم المنان , ذي الجود والعطاء والإحسان, خلق الخلق وأبدعه , وسن الدين وشرعه, وأجرى الماء وانبعه وقسم الرزق ووسعه, جعل الجنة رحمته, وجعل في النار سطوته, وجعل في كل شيءٍ خلقه حكمته , وأحمده على نعمه العظيمة وآلائه الحميدة  وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمد عبده ورسوله. وبعد: فإن من سنن الله الكونية أن خلق البشر وجعلهم في دار الابتلاء والامتحان, ووعد الصابرين منهم بألاجر والمثوبة والرحمة فقال سبحانه \" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ   155 
الهدي النبوي في تغطية الإناء

 

الهدي النبوي في تغطية الإناء


وقد روى مسلم في((صحيحه)) من حديث جابر بن عبد الله ، قال : سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((غطُّوا الإناءَ ، وأَوْكُوا السِّقاءَ ، فإنَّ في السَّنَةِ لَيْلَةً ينزِلُ فيهَا وِباءٌ لا يَمُرُّ بإناءٍ ليس عليه غِطَاءٌ ، أو سِقاءٍ ليس عليه وِكاءٌ إلا وَقَعَ فيه من ذلك الدَّاء)) .

وهذا مما لا تنالُه علوم الأطباء ومعارفُهم ، وقد عرفه مَن عرفه من عقلاء الناس بالتجربة . قال اللَّيث بن سعد أحدُ رواة الحديث : الأعاجمُ عندنا يتَّقون تلك الليلة في السنة ، في كانُونَ الأول منها .

وصَحَّ عنه أنه أمرَ بتخمير الإناء ولو أن يَعرِضَ عليه عُوداً . وفي عرض العود عليه من الحكمة ، أنه لا ينسى تخميرَه ، بل يعتادُه حتى بالعود ، وفيه : أنه ربما أراد الدُّبَيِّب أن يسقط فيه ، فيمرُّ على العود ، فيكون العودُ جسراً له يمنعه من السقوط فيه.

وصَحَّ عنه أنه أمرَ عند إيكاءِ الإناء بذكر اسم الله ، فإنَّ ذِكْر اسم الله عند تخمير الإناء يطرد عنه الشيطان ، وإيكاؤُه يطرد عنه الهَوامَّ ، ولذلك أمر بذكر اسم الله في هذين الموضعين لهذين المعنيين .

وروى البخاري في((صحيحه)) من حديث ابن عباس ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشُّرب مِنْ في  السِّقاء .

وفي هذا آدابٌ عديدة ، منها : أنَّ تردُّدَ أنفاس الشارب فيه يُكسبه زُهومة ورائحة كريهة يُعاف لأجلها . ومنها : أنه ربما غلب الداخِلُ إلى جوفه من الماء ، فتضرَّر به . ومنها : أنه ربما كان فيه حيوان لا يشعر به، فيؤذيه . ومنها : أنَّ الماء ربما كان فيه قَذاةٌ أو غيرُها لا يراها عند الشرب ، فتَلِج جوفه . ومنها : أنَّ الشرب كذلك يملأ البطن من الهواء ، فيضيقُ عن أخذ حظَّه من الماء ، أو يُزاحمه ، أو يؤذيه ، ولغير ذلك من الحِكَم.

فإن قيل : فما تصنعون بما في((جامع الترمذي)) : أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دعا بإداوة يومَ أُحُد ، فقال : ((اخْنُثْ فَمَ الإدَاوَة)) ، ثُمَّ شَرِبَ منها مِن فيهَا .قلنا : نكتفي فيه بقول الترمذي : هذا حديثٌ ليس إسناده بصحيح ، وعبد الله ابن عمر العُمرىُّ يُضعَّفُ من قِبلِ حفظه ، ولا أدري سمع من عيسى ، أو لا ... انتهى . يريد عيسى بن عبد الله الذي رواه عنه ، عن رجل من الأنصار .